فقدان المعايير والكفاءات من عمليات التعيين في المنظومة السياسية اليمنية

تم النشر في January 26, 2026


إعداد/ م.عبدالله الخراز
مقدمة
يُشكل فقدان المعايير الموضوعية والكفاءة من عمليات التعيين والتكليف في المنظومة السياسية اليمنية ليس مجرد خلل إداري، بل هو جوهر أزمة النظام السياسي المتدهور وامتداد لثقافة "الاستحواذ على الدولة" التاريخية. لقد تحولت مؤسسات الدولة من أداة لخدمة المصلحة العامة إلى "غنائم" تُقسم بين النخب والقوى المتصارعة، في عملية ممنهجة حولت الوظيفة العامة من أمانة مهنية إلى مكافأة سياسية تُمنح على أساس الولاءات الضيقة، ما أسفر عن تآكل مؤسسي كامل وفقدان ثقة المجتمع.
جذور الأزمة: من "الاستحواذ على الدولة" إلى اقتصاد الحرب
لم تبدأ أزمة التعيينات مع الحرب الحالية، بل هي نتاج عقود من ممارسات وصفها البنك الدولي بـ "الاستحواذ على الدولة"، حيث شكلت أقلية نخبوية مؤسسات الدولة لتحقيق مكاسب خاصة. كانت المحسوبية والفساد مقبولة ثقافياً كطريقة "لإنجاز الأمور". ومع اندلاع الحرب في عام 2015، ازدهر اقتصاد الحرب واتسع نطاق هذه الممارسات بشكل غير مسبوق، فأصبح الفساد منهجياً وعابراً للحدود والجبهات القتالية.
لقد أدى تشظي البلاد إلى خلق مؤسسات موازية في مختلف المناطق، ساعد على تعقيد شبكات المحسوبية ظهور لاعبين جدد كانوا مهمشين أو مجهولين سابقاً.
آليات الاختلال: كيف تُهدر الكفاءة وتُشترى الولاءات
أولاً: فساد ممنهج في المؤسسة العسكرية والأمنية
لا تزال قضية "الجنود الأشباح" (تضخيم جداول الرواتب العسكرية) إحدى أبرز آليات الفساد. يقود كبار القادة العسكريين المتحالفين مع الحكومة المعترف بها دولياً هذا المخطط، مدفوعين بحوافز مالية ومادية تقدم بناءً على أعداد الجنود المزعومين. كما يمارس بعض المقاتلين "الغمس المزدوج"، حيث يتسلمون راتبين من مصدرين مختلفين. بل إن تقارير تشير إلى تواطؤ في تدفق الأسلحة عبر الخطوط الأمامية بين الأطراف المتنازعة، ما يشير إلى أن شبكات المصالح تتجاوز الانقسامات السياسية والعسكرية الظاهرة.
ثانياً: احتكار الموارد الحيوية وإفقاد الدولة إيراداتها
أصبحت واردات الوقود، بعد توقف الإنتاج المحلي، القطاع الأكثر ربحية وفساداً. في عدن مثلاً، سيطر أحد رجال الأعمال عبر احتكاره لعمليات الاستيراد والتوزيع من خلال مناقصات مشبوهة. وفي المناطق الشمالية، يهيمن تجار موالون للجماعة على هذا السوق، ويشترون التصاريح عبر وسطاء. الأكثر خطورة هو إخفاء الإيرادات وسوء استخدامها، حيث تعمل فروع البنك المركزي بشكل مستقل وغير شفاف، وتوجه عائدات النفط إلى حسابات خاصة.
ثالثاً: تسييس المؤسسات وتقويض القرار الرسمي
تتحول المؤسسات الحيوية إلى ساحة لصراع النفوذ بين مكونات السلطة. الواقعة التي كشفت عنها صحيفة نبأ نيوز حول تمرير قرارات تعيين غير قانونية تظهر كيف يتم "شرعنة المخالفة" وتحويل القوة الميدانية إلى قرارات رئاسية، في سيناريو وصفه محللون بأنه "سلطة بدون قواعد". هذا الوضع يفضي إلى ازدواجية القرار ويقوض هيبة وأداء الحكومة المركزية.
العواقب الكارثية: الانهيار المزدوج للخدمات والثقة
ينتج عن هذا الاختلال المؤسسي آثار مدمرة على الدولة والمجتمع:
• انهيار الخدمات العامة حيث يؤدي وضع كفاءات ضعيفة أو غير مؤهلة في مناصب قيادية إلى إدارة كارثية للقطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والكهرباء، ما يزيد من معاناة المواطن ويغذي الأزمة الإنسانية.
• هدر الموارد الوطنية وتحول الأموال العامة من تمويل التنمية والخدمات إلى جيوب النخب وشبكات المحسوبية عبر آليات كالرواتب الوهمية والعقود الاحتكارية.
• تآكل شرعية الدولة وفقدان ثقة الشعب فعندما يرى المواطن أن الوظيفة العامة حكر على الموالين، وأن مؤسساته تخدم مصالح فئة ضيقة، فإن الثقة بالدولة تتبدد، ويزداد الاعتماد على الروابط التقليدية (قبلية، مناطقية)، ما يقوض فكرة المواطنة والولاء الوطني.
• تعميق دوامة الحرب تُخلق مصالح اقتصادية كبرى مستفيدة من استمرار النزاع واقتصاد الحرب. تتحول هذه المصالح إلى قوى معرقلة لأي مسار سلام حقيقي، لأن السلام يعني نهاية امتيازاتها.

مآلات الإصلاح المعلن: إجراءات شكلية أمام جدار المصالح
تظهر محاولات الإصلاح، مثل قرارات رئيس الحكومة سالم بن بريك التقشفية أو إغلاق المنافذ البحرية غير المشروعة، تناقضاً صارخاً مع جذور الأزمة. يرى الخبراء أن هذه الإجراءات مصيرها الفشل لعدة أسباب:

  1. غياب الإرادة السياسية الحقيقية حيث تُصدر القوانين ولا تُنفذ، والفاسدون أنفسهم يمسكون بزمام السلطة.
  2. تركيبة السلطة المشظاة فالحكومة لا تسيطر فعلياً على كل وزرائها أو على المجموعات المتنفذة داخل مجلس القيادة الرئاسي، وكل منها يسعى لمصالحه.
  3. غياب أدوات التنفيذ المستقلة المتمثلة بالأجهزة الرقابية مثل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة تعاني من ضعف وهيمنة.

مخرج من عنق الزجاجة: نحو إعادة تأسيس العقد الاجتماعي
لا يكفي العلاج العرضي. يتطلب البناء مستقبلاً ما بعد الصراع مقاربة جذرية طويلة الأمد لمكافحة الفساد، ترتكز على:
• استعادة احتكار الدولة للقوة الشرعية والموارد عبر نزع السلاح تدريجياً وتوحيد المؤسسات العسكرية والمالية تحت سلطة وطنية واحدة شفافة.
• بناء نظام تعيين قائم على الجدارة والشفافية من خلال إقرار قوانين ونظم رقابة مستقلة تضمن تكافؤ الفرص وتكافح المحسوبية.
• إرساء مبادئ المساءلة ومحاسبة جميع من استولوا على المال العام أو وظفوا السلطة لمصلحة شخصية، بغض النظر عن انتماءاتهم.
• إشراك المجتمع ودعم منظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل ليكونوا رقباء على أداء المؤسسات.
في الختام إن تحويل مؤسسات الدولة إلى غنائم حزبية ومكافآت ولاء هو ضربة في صميم فكرة الدولة ذاتها. ما يحدث في اليمن اليوم هو تفكيك ممنهج لأسس العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. الخروج من هذا المأزق لا يحتاج إلى إصلاحات إدارية وحسب، بل إلى مراجعة عميقة لطبيعة النظام السياسي، وإعادة تأسيس دولة تقوم على الكفاءة والنزاهة والعدالة كأسس وحيدة للتعيين والتكليف، بعيداً عن منطق الغنائم والولاءات الضيقة. الدولة ليست غنيمة، ولا يمكن أن تبنى بمنطق المحاصصة.

المشاركة عبر: