اليمن والتحول الإقليمي الجديد: قراءة في الموقف الرسمي للدولة اليمنية

تم النشر في March 16, 2026

بقلم: محمد باحكم - باحث سياسي لدى منظمة سائس

تضع المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي، وفي مثل هذه اللحظات لا تكشف بيانات الدول عن مواقفها السياسية فحسب، بل عن الطريقة التي ترى بها موقعها في النظام الإقليمي.
وإذا ما قُرئ الخطاب الرسمي اليمني الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في ضوء هذه القاعدة، فإنه يكشف عن بنية خطابية واضحة تقوم على ثلاث مرتكزات: الأمن، والتحالف الإقليمي، وإعادة تعريف الصراع مع إيران بوصفه جزءاً من معركة الدولة اليمنية نفسها.
تتسم اللغة المستخدمة في البيانات الرسمية بدرجة عالية من الحدة تجاه إيران، إذ تصف الهجمات المنسوبة إليها بأنها “انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي”، وتحمّل “النظام الإيراني” مسؤولية “تصدير الأزمات واستخدام الوكلاء المسلحين لزعزعة استقرار المنطقة”.
هذه الصياغة لا تأتي من فراغ؛ فهي تعكس تصوراً رسمياً يرى أن الأزمة اليمنية نفسها جزء من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، وأن المواجهة مع هذا النفوذ ليست مسألة تضامن إقليمي فحسب، بل مسألة تتعلق بوجود الدولة اليمنية.
في المقابل، يلفت الانتباه أن الخطاب ذاته لا يتضمن إدانة موازية للضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران "كموقف سياسي معياري" خارج سياق واقع القوة. من زاوية قانونية بحتة يمكن النظر إلى هذا الصمت بوصفه مفارقة في خطاب يتحدث كثيراً عن احترام سيادة الدول.
غير أن السياسة الخارجية للدول، خصوصاً في بيئات الصراع، نادراً ما تُدار بمنطق الاتساق الأخلاقي الكامل. فثمة جدلية قديمة في الفكر السياسي بين القانون والقوة: القانون يحدد القواعد المعيارية للنظام الدولي، لكن موازين القوة هي التي تحدد في النهاية كيفية تطبيقها. وفي حالة اليمن، يبدو أن حسابات الواقعية السياسية تتقدم على منطق الموقف القانوني المجرد.
السبب في ذلك يعود إلى طبيعة التهديد الذي تواجهه الدولة اليمنية. فالخطاب الرسمي يركز بشكل واضح على البعد الأمني أكثر من أي بعد آخر. فالرئاسة تتحدث عن “استمرار الضغوط القصوى على النظام الإيراني وتفكيك مليشياته المسلحة”، وتحذر الحوثيين من “الزج باليمن في أتون حرب دولية”. في هذا السياق يصبح الخطاب أقل اهتماماً بالموازنة الأخلاقية بين أطراف الصراع، وأكثر انشغالاً بتحديد مصدر التهديد المباشر للدولة.

كما يكشف الخطاب عن تموضع إقليمي واضح، يتجلى في العبارة التي تكررت في البيانات الرسمية بأن “أمن المملكة العربية السعودية جزء لا يتجزأ من أمن الجمهورية اليمنية”. هذه الصياغة تعكس إدراكاً سياسياً بأن أمن اليمن بات مرتبطاً بالبنية الأمنية الأوسع في الخليج والبحر الأحمر، وهي بنية تتقاطع بدورها مع النظام الأمني الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيته في المنطقة.
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لهذا الخطاب تطرح سؤالاً أعمق: هل يعكس هذا التموضع خياراً استراتيجياً طويل المدى، أم أنه تعبير عن ظرف تفرضه موازين القوة الراهنة؟ فالدول التي تعيش حروباً داخلية غالباً ما تنظر إلى النظام الإقليمي من زاوية أمنية ضيقة؛ لأن بقاء الدولة نفسه يصبح القضية المركزية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب تركيز الخطاب اليمني على التهديد الإيراني أكثر من تركيزه على المبادئ العامة للنظام الدولي ضمن هذا الحدث الآني أو في كل تاريخ الأزمة اليمنية.

في النهاية، لا يكشف الخطاب الرسمي اليمني فقط عن موقف من أزمة إقليمية، بل عن طبيعة المعضلة التي تواجهها الدولة اليمنية نفسها: دولة تحاول الدفاع عن بقائها في بيئة إقليمية تتحدد قواعدها بقدر كبير من القوة، بينما تبقى لغة القانون الدولي إطاراً ضرورياً للشرعية، لكنه ليس دائماً المحدد الفعلي لمسار السياسة.

المشاركة عبر: