ماذا غيّر التدخل السعودي في اليمن؟

تم النشر في November 3, 2026

بقلم/ محمد باحكم - باحث مقيم في منظمة سائس

لم يكن التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية في مارس 2015 مجرد انتقال بالصراع اليمني من مستواه الداخلي إلى مستواه الإقليمي، بل كان تحولًا في طبيعة الأزمة ذاتها؛ فقد أعاد تعريف أطرافها لذواتهم ولخصومهم، وغيّر مصادر شرعيتهم، وربط مستقبل الدولة اليمنية بتنافس أوسع حول شكل النظام الأمني والسياسي في المنطقة. ومنذ ذلك التحول، لم يعد الصراع يدور فقط حول من يحكم اليمن، بل حول المشروع الذي سيحدد موقع اليمن في التوازنات الإقليمية، وطبيعة علاقته بالدولة الوطنية وبالأمن الدولي.

فقد انقلب الحوثيون على مؤسسات الدولة وعطّلوا مسار التوافق الوطني، ثم واجهوا التدخل العسكري الخارجي بإنتاج سردية سياسية جديدة جعلت من مقاومة ما يسمونه "العدوان" محورًا لشرعيتهم وتعبئتهم. وهذه السردية، بصرف النظر عن حقيقة التدخل العسكري ووجوده، تنطوي على مفارقة سياسية؛ إذ يجري توظيف مواجهة الخارج لتبرير فرض سلطة داخلية بالقوة، وإقصاء الخصوم اليمنيين، واحتكار تعريف الوطنية وتحديد من يحق له تمثيل المجتمع. وبذلك تحولت مقاومة التدخل الخارجي من موقف متعلق بالسيادة إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الداخلية، وإضفاء مشروعية أيديولوجية على استمرار الصراع.

وفي المقابل، أصبحت الحكومة المعترف بها دوليًا تعتمد بدرجة متزايدة على الاعتراف الخارجي والدعم الإقليمي والدولي، وأصبحت شرعيتها القانونية والدبلوماسية أكثر حضورًا من قدرتها الفعلية على تمثيل اليمنيين وإدارة مؤسسات الدولة. وهنا تظهر مفارقة الطرفين: الحوثيون يوظفون الخارج لتجريم خصومهم في الداخل، بينما تعتمد الحكومة على الخارج لتعويض اختلال موازين القوة في الداخل. وفي الحالتين، لم تستطع الشرعية السياسية أن تستقر على قاعدة وطنية جامعة، قوامها مؤسسات الدولة والتوافق المجتمعي واحتكار السلطة الشرعية لاستخدام القوة.

ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التباين الاستراتيجي بين فلسفتين لأمن الإقليم والعالم. الأولى يمكن تسميتها دعوى أقلمة الأمن، وتمثل إيران نموذجها الأبرز؛ وهي تقوم على توسيع مجال النفوذ عبر شبكات من الفاعلين السياسيين والعسكريين المرتبطين بها خارج حدود الدولة، واستخدام هذه الشبكات أدواتٍ للتأثير والضغط وإعادة تشكيل توازنات المنطقة. ووفق هذه المقاربة، لا تكون الدولة الوطنية وحدها وحدة الفعل الأمني، بل تصبح الجماعات المسلحة والروابط الأيديولوجية العابرة للحدود مكونات في منظومة نفوذ إقليمية تتجاوز سيادة الدول ومؤسساتها. وقد وفّر اليمن، بسبب هشاشة دولته وموقعه الجغرافي، بيئة ملائمة لامتداد هذا النمط من النفوذ، وهو ما تعكسه طبيعة الدعم الإيراني للحوثيين وتطور قدراتهم العسكرية واتساع ارتباطات الصراع بمواجهات المنطقة.

أما الفلسفة الثانية فهي عولمة الأمن؛ أي الانتقال من حصر الأمن في حسابات النفوذ الإقليمي إلى ربطه باستقرار الدول واحترام سيادتها، وبالمصالح الدولية المشتركة، وبمنظومة القانون الدولي والتحالفات والتعاون متعدد الأطراف. وفي هذا الاتجاه يمكن قراءة المقاربة الخليجية، والسعودية على وجه الخصوص، التي تنظر إلى أمن اليمن بوصفه جزءًا من أمن المنطقة، وإلى أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن باعتباره مصلحة تتجاوز الدول المشاطئة إلى الاقتصاد والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن ثم فإن حماية الدولة اليمنية ومؤسساتها، وتأمين الممرات البحرية، ومنع تحول الأراضي الوطنية إلى منصات تهديد عابر للحدود، ليست قضايا منفصلة، بل عناصر في تصور أوسع للأمن الجماعي.

ولا يعني ذلك أن التحالفات الدولية أو التدخلات التي تستند إلى الاعتراف الدولي محصنة من حسابات المصالح أو الأخطاء أو التناقضات؛ كما لا يعني أن دول الخليج تحركت دائمًا وفق رؤية موحدة. لكن الفارق الاستراتيجي الذي نريد إبرازَه يتمثل في طبيعة المشروع: مشروع يوسّع النفوذ عبر قوى مسلحة موازية للدولة، في مقابل مشروع يفترض أن استقرار النظام الإقليمي يبدأ من استقرار الدول وسيادتها، وأن حماية المصالح المشتركة تتطلب تعاونًا دوليًا وقواعد قانونية تتجاوز منطق الميليشيا والمحاور الأيديولوجية.

ومن هنا يمكن قراءة التنافس بوصفه تعبيرًا عن تباين أعمق بين منطق الدولة ومنطق الجماعة العابرة للحدود، وبين الاعتدال السياسي الذي يقبل بالتعدد والتسوية والسيادة الوطنية، والتطرف الذي يجعل الأيديولوجيا والولاء التنظيمي فوق الدولة والمجتمع. وفي هذا الإطار، تندرج إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بمشروعها ضمن نموذج توظيف الفاعلين من خارج الدولة، بينما تمثل السياسات الإسرائيلية القائمة على القوة العسكرية وتجاوز قواعد السيادة والتسوية مثالًا آخر على تغليب منطق القوة على الاستقرار المؤسسي؛ دون أن يعني ذلك وجود تحالف أو تطابق استراتيجي بين إيران وإسرائيل، فالتقاطع المقصود هنا هو في بعض النتائج والممارسات المزعزعة للاستقرار، لا في وحدة المشروع أو المصالح. وتلتقي هذه الأنماط، رغم اختلاف دوافعها، في إضعاف فرص بناء نظام إقليمي مستقر قائم على سيادة الدول ومؤسساتها.

وتكمن خطورة انعكاس هذا التنافس على اليمن في أن الفاعلين المحليين لم يعودوا يتحركون ضمن معادلة وطنية خالصة؛ فقد أصبحت الارتباطات الخارجية مصادر للتمويل والتسليح والشرعية والتأثير، وأصبحت بعض القوى المحلية توظف التنافس الإقليمي لتعزيز مواقعها، فيما تتراجع أولوية بناء الدولة أمام اعتبارات البقاء والنفوذ. كما أن تعدد داعمي القوى المناهضة للحوثيين واختلاف أولوياتهم أسهما في تعقيد معسكر الشرعية وإضعاف قدرته على تقديم مشروع وطني متماسك. ولذلك لا يصح اختزال الأزمة في صراع بالوكالة؛ فالأطراف اليمنية ليست مجرد أدوات، لكنها تتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية تعيد تشكيل خياراتها وحدود قوتها.

وعليه، فإن جوهر المعضلة الاستراتيجية اليمنية لم يعد مجرد إنهاء المواجهة العسكرية، بل منع تحول اليمن إلى نموذج دائم للدولة المخترقة والمجزأة، التي تتنازعها مراكز القوة والولاءات العابرة للحدود. فالتسوية التي لا تعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ولا توحّد القرارين السياسي والعسكري، ولا تنهي ازدواجية السيادة، قد توقف جولة من القتال لكنها لن تنهي أسباب الأزمة. ومن منظور الأمن الإقليمي والدولي، لا يتحقق الاستقرار المستدام بإدارة توازنات الجماعات المسلحة، بل بإعادة بناء دولة يمنية قادرة على احتكار القوة الشرعية، وتمثيل مجتمعها، وإدارة علاقاتها الخارجية من موقع السيادة لا التبعية.

المشاركة عبر: